ابن بطوطة
132
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
النقوش كمصدر لابن بطوطة وأحب أن أثير الانتباه هنا إلى عنصر في الرحلة كاف وحده للتأكيد على جدّيتها وصدق أخبارها ، ويتعلق الأمر بالنقوش التي كان يقف عليها مكتوبة على لوحة خشبية أو قطعة من حجر أو رخام ، فكان يسجلها ويحفظها ، وقد أمست بالنسبة إلينا اليوم بمثابة وثيقة حية تؤكد ما كان يرويه الرجل قبل نحو من سبعة قرون ! فإن المؤرخ قد يتأثر بما حواليه وبمن حواليه بينما تبقى الوثيقة المعاصرة أمينة شاخصة . ولقد لذّ لي أن أهتم بهذا الجانب من الرحلة وأن أقف بنفسي على مروياتها باعتبارها ، كما قلت ، دليلا لا يقبل الطعن سيما وبعض تلك النقوش ما يزال شاخصا للعيان . وهكذا فقد قرأ ابن بطوطة على شاهد قبر الشيخ أبي الحسن الشاذلي اسمه ونسبه متصلا إلى الحسن بن علي وفاطمة الزهراء عليهما السلام . وقد كان فيما اكتشفه من خطوط ما قرأه على قبرية فاطمة بنت الحسين بن علي : " هذا قبر أمّ سلمة فاطمة بنت الحسين رضي اللّه عنه " بينما قرأ في لوح آخر : " صنعه محمد بن أبي سهل النقاش بمصر " وتحت ذلك ثلاثة أبيات . . . وعندما زار ابن بطوطة قبر النبي هود عليه السلام شرقيّ مدينة تريم في حضرموت لاحظ أن القبر مكتوب عليه : " هذا قبر هود بن عابر صلى اللّه عليه وسلم " ، وهو ما يعتمده الحضارمة إلى اليوم . وفي هذا الإطار ما قرأه على قبرية سعد بن عبادة ، وما سجله وهو بمكة عن معالمها التاريخية مما يعتبر فيه ابن بطوطة حجة ، سيّما بعد اختفاء تلك الآثار ، هذا إلى ما علق بذاكرة الرّحالة مما قرأه في دمشق وفي عسقلان ومدينة البصرة وبغداد وسوريا . ومن المهمّ أن نسمع ابن بطوطة - وهو الحريص على توثيق تلك المنقوشات - نسمعه يتحسر لضياع مذكّراته على نحو ما وقع بالنسبة لمقيّدات الهروي أثناء احتلال الروم للأراضي المقدسة « 1 » ! ويخبرنا بأنه كتب على قبر البخاري : " هذا قبر محمد بن إسماعيل البخاري وقد صنف من الكتب " كذا وكذا . . . وكذلك كتبت على قبور علماء بخاري أسماؤهم وأسماء تصانيفهم . " وكنت قيدت من ذلك كثيرا - يقول ابن بطوطة - وضاع مني في جملة ما ضاع لمّا
--> ( 1 ) أبو الحسن الهروي : كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات - دمشق 1953 ص 30 .